• التاريخ
  • اليوم 12
  • الشهر 12
  • السنة 2017

الموقع الرسمي للنائب الدكتور عماد الحوت


نص كلمتي في احتفال الجماعة الاسلامية في صيدا بذكرى المولد:


الحمد لله الذي أرسل الينا سيدنا محمداً نوراً أضاء الكون بالحق والعدل فقال (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا * وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيرا).


والحمد لله الذي أنعم علينا لنكون من مدرسة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، نتعلّم فيها الوحدة فيما بيننا فقال (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).


والحمد لله الذي جعل من مولده صلى الله عليه وسلم مولد حضارةٍ وأمة انتقلت برسالة الاسلام من عبادة الحجر والثمر لتصبح أمةً رائدةً للأمم.


توازنٌ في الشخصية تعلّمناه من هذه المدرسة النبوية الشريفة، فرسول الله الذي خاطب ملوك الأرض هو نفسه الذي احتضن برحمة الداعية ذاك الاعرابي الذي اتهمه بعدم العدل، وهو نفسه الذي نام على الحصير حتى أثر على جنبه الشريف، وهو الذي اختار المهمة الاصعب في الصحراء حين اراد مع صحبه تحضير الطعام فقال (وعلي جمع الحطب).


نحتفل اليوم بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم وأمتنا تمر بظروفٍ وملابسات، ويحيط بها الأعداء والمؤامرات، نحتفل اليوم والأمة التي أسس لها وأقامها عليه الصلاة والسلام مفككة ومستهدفة.


أمتنا التي أراد لها ربُها أن تكون خير أمةٍ أخرجت للناس بمنهجها، بقرآنها، بثوابتها، بما قدمت للناس من حضارة، تُدفع اليوم للابتعاد عن هذا المنهج وتلك الثوابت من خلال تطرّفٍ مصنوع يُغرى شبابنا به ويُستدرج اليه ليكون وقوداً في معارك الآخرين، أو من خلال تفريطٍ بثوابت الأمة ومحاولة التخلص من الإسلام الوسطي تحت مسمياتٍ مختلفة.


الأمّة اليوم مدعوةٌ وهي تحتفل بذكرى المولد الى أن تجدد التزامها بقرآنها وبثوابتها، أن تراجع كيف قام رسول الرحمة بفهم الدين وتطبيقه، كيف بنى الأمة وأقام الدولة.


رسولنا صلى الله عليه وسلم، ومن جاء بعده ممن سار على نهجه، نشر الخيرية بين الناس، خالقَ الناس بخلقٍ حسن، أمّن الخائف، تعاون مع الجميع لإحقاق الحق، كان رحمةً مهداة لكل الناس إلا على من اعتدى، فبنى بهذه القيم حضارةً امتدت شرقاً وغرباً وأوصلت رسالة الإسلام بالقول والسلوك والعمل والصبر والتعامل والأخلاق.


هذه الأمة التي سارت في الناس بالخير ما زالت مطالبة بأن تستجمع أمرها وتستكمل رسالتها، هذه الأمة التي يريد لها أعداءها أن تخرج عن صحيح دينها، وأن تترك بعض منهجها ليسهل القضاء والهيمنة عليها، ولكن هيهات هيهات، فالله عز وجل قد تكفّل بحفظ الدين، يحفظه بأبناء هذه الأمة من المخلصين، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال "الخير فيّ وبأمتي الى يوم القيامة"، لذلك لا بد لنا ونحن نحتفل بذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من أن نجدّد العهد والعزيمة بأن نكون من أولئك الرجال الذين يدعون الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، الذين يصبرون على مخالطة الناس من أجل الأخذ بأيديهم لما فيه خيرهم ونهضة أمتهم، أن نجدد معنى الدين في نفوسهم وتطبيقاته في واقعهم، وأن نبذل الجهد كل الجهد في ذلك.


أمتنا أحوج ما تكون اليوم الى ربها، الى قرآنها، الى اتباع زعيمها وقائدها وملهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تشعبت الولاءات وتاهت الناس في بحثهم عن الزعيم والملهم، أمتنا في حاجةٍ اليوم أن تعيد ارتباطها بالنداء الخالد: الله غايتنا لا تعلو غايةٌ فوق رضاه، والرسول قدوتنا لا نرتضي سواه زعيماً أو قدوةً أو ملهماً، والقرآن دستورنا نرجع اليه في حكمنا على الأقوال والأفعال والمواقف، والجهاد سبيلنا نؤمن به طريقاً لتحرير أوطاننا من أي مستعمر، فنعدُّ العُدة لتحرير فلسطين من العدو الصهيوني الغاصب ولا نستخدم القوة داخل مجتمعاتنا كما لا نقبل أن تُستخدم القوة في وجهنا من أي شريكٍ لنا في هذه المجتمعات.


إن هذه المعاني جميعاً يجب أن تحكم نظرتنا للأزمة التي يمر بها بلدنا، فلا نقبل أن يستدرجنا البعض لتحويل الأزمة الى أزمة أشخاص وإنما أزمة ممارسات، فنحن بقدر ما نحن مرحبين بعودة الرئيس الحريري بين أبناء وطنه، إلا أننا لا نرى الأزمة تنتهي بعودته أو عودة الحكومة فقط، وإنما بأن نتعاون من أجل معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة من خلال:


شراكة حقيقية وكاملة في جميع القرارات في لبنان، وتوازنٌ كاملٌ بين جميع المكونات في الحقوق والواجبات، فلا يكون هناك مكوّن إبن ست وآخر ابن جارية، فلا يمكن أن يكون هناك استقرار وهناك مكوّن من المكونات اللبنانية يشعر بأنه مهدور الحقوق.


الإستقرار المنشود يستدعي خروج الجميع من سياسة المحاور، وتجنيب لبنان أن يكون ساحة تصفية حسابات بينها، ونأي فعلي بالنفس من خلال تعهّد من يحارب خارج الأراضي اللبنانية برزنامة واضحة لسحب عناصره من مختلف الساحات العربية.


معالجة الاسباب تستدعي توقف رئيس الجمهورية عن تبرير قتال مكون من المكونات اللبنانية خارج الارض اللبنانية وأن يحدد موعداً واضحاً لبدء النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية للدولة نتوافق عليها وتستفيد من عناصر قوة وخبرة مختلف مجموعات المقاومة.


نحن بحاجةٍ أيضاً الى إطلاق آلية حوار لبنانية داخلية شاملة تساهم في بناء رؤية مشتركة بين جميع اللبنانيين لمستقبل لبنان، وشفافية في أداء الحكومة بعيداً عن منطق المحاصصة الذي كان سائداً من قبل.


نحن بحاجةٍ الى ترتيب البيت السني وتغليب التشاور بين مكوناته مما يزيد من تماسكه ويساعد على النهوض بواقعه ويعزز دوره في المحافظة على استقرار البلد.


نحن بحاجةٍ لأن تبقى البوصلة ثابتة نحو فلسطين فلا نقبل من أحد بأن يفرّط بذرة ترابٍ من أرضها تحت أي ظرف أو مبرر.


في ذكرى مولد الرسول محمدٍ صلى الله عليه وسلّم، نؤكد أننا نلتزم بما تعلمناه من هذا الرسول العظيم من ثباتٍ على المبدأ، وقيم نتمسّك بها متسلّحين بحجةٍ قوية، وعزيمةٍ صادقة، وحب خيرٍ للناس، كل عامٍ وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته