• التاريخ
  • اليوم 25
  • الشهر 3
  • السنة 2019

الموقع الرسمي للنائب الدكتور عماد الحوت


العيش المشترك 


وهب الله تعالى العقل للإنسان، وأعطاه نعمة الحرّية والقدرة على الاختيار، وجعل واجب الإنسان في هذه الحياة عبادة الله، ومهمّته عمارة الأرض، وقد استخلفه الله تعالى لذلك (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا( [سورة هود، الآية 61]، أي أمركم بعمارتها. وهي مهمّة يشترك فيها جميع الناس، مسلمين وغير مسلمين، وهم يعيشون جميعا على أرض واحدة، فقدَرهم هو العيش المشترك رغم كلّ أنواع الاختلاف، للقيام بالمهمّة المنوطة بهم. 
 
 وإذا كان لنا من خيار في لبنان، فهو أن نضع لهذا العيش المشترك قواعد ثابتة، يرتاح إليها الجميع، أو أن نهمل ذلك فنتعرّض بين وقت وآخر لفتن أهليّة أو صراعات داخلية، تستنزف طاقة الجميع، وتزيد من تخلّفنا عن ركب الحضارة الإنسانية. 

 إنّ قواعد العيش المشترك في رأينا أربع: 

 الأولى - احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه: وهذا بالنسبة لنا كمسلمين مسألة شرعيّة، تشمل الاختلاف الديني والسياسي، حسب التقسيم المعاصر. لقد أتاح الله تعالى للإنسان حرّية الاختيار بين الإيمان والكفر، ومع ذلك لم يحرم الكافر ممّا أعطاه لمن يؤمن به، لكنّه بيّن له أنّ الإيمان هو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ودعاه إلى ذلك ورغّبه فيه، (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(  [سورة البقرة، الآية 256]. 
 إنّ هذه الحرّية الواسعة لجميع الناس أن يختاروا ما يريدون، حتّى بالنسبة للإيمان والكفر، تستلزم حتماً الاعتراف بنتائجها والتعامل معها وفق الضوابط الشرعية، وإذا لم يكن الأمر كذلك فلا معنى أصلاً للحرّية.
 
 الثانية - الأخلاق: وهي في نظر الإسلام قيم مطلقة يتعامل بها الإنسان مع الموافق والمخالف، لا تتأثّر باختلاف الدين، ولا بأيّ اعتبار آخر. الأخلاق ليست أسلوب تعامل المسلم فقط مع من يحبّ، ولا مع أبناء عشيرته أو قوميّته أو دينه، إنّها أسلوب التعامل مع الناس جميعاً.
 
الثالثة - العدالة: وهي أهمّ القيم الإنسانية على الإطلاق. من أجل تحقيقها أرسل الله الرسل بالبيّنات: (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ([سورة الحديد، الآية 25]. الكتاب هو مصدر العدالة، والميزان هو وسيلة تحقيقها، لأنّه يعني التوازن بين الحقوق والواجبات.
 
الرابعة - التعاون: لا معنى للعيش المشترك إذا لم يتعاون فيه الناس لتحقيق المصالح المشتركة. وقد بيّن الله تعالى أنّ التعاون مطلوب حتّى مع المشركين (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ([سورة المائدة، الآية 2].